الشيخ محمد رشيد رضا
140
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وعمل النهار قبل عمل الليل ( 4 ) حجابه النور - وفي رواية النار ( 5 ) لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه » « 1 » والمعنى أن النور العظيم هو الحجاب الذي يحول بينه وبين خلقه وهو بقوته وعظمته ملتهب كالنار ، ولذلك رأى موسى عليه الصلاة والسّلام عند ابتداء الوحي نارا في شجرة توجه همه كله إليها فنودي بالوحي من ورائها وفي التوراة ان الجبل كان في وقت تكليم الرب لموسى عليه السّلام وإيتائه الألواح مغطى بالسحاب « وكان منظر مجد الرب كنار آكلة على راس الجبل امام عيون بني إسرائيل » ( خرو 24 : 17 ) ورأى النبي الخاتم الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليلة المعراج نورا من غير نار وربما كان هذا أعلى ولكنه كان حجابا دون الرؤية أيضا فقد سأله أبو ذر ( رض ) هل رأيت ربك ؟ فقال « نور أنى أراه » وفي رواية أخرى « رأيت نورا » ومعناهما معا رأيت نورا منعني من رؤيته لا انه تعالى نور وأنه لذلك لا يرى ، وهذا يتلاقى ويتفق مع قوله « حجابه النور » ولذلك جعلنا أحاديث النور شاهدا واحدا في موضوعنا . وهي تدل على عدم رؤية ذات اللّه عز وجل وامتناعها كما تمتنع رؤية شيء تكون الشمس دونه حجابا له فمن ذا الذي تنفذ أشعة نور بصره من نور الشمس ونارها إلى ما وراءها فتبصره ؟ وما هذه الشمس التي يراها على بعد قدّره علماء الهيئة الفلكية بأكثر من تسعين مليون ميل وسائر الشموس الكثيرة التي يرونها بالمناظير المقربة للابعاد والتي لا يرونها الابعض ما أفاضه تعالى من النور على خلقه وهو ( نور السماوات والأرض وسبحات نور وجهه أعظم وأقوى ، وأجلّ وأعلى ، فلا تذكر معها أنوار الشموس الا من باب ضرب المثل الذي ورد ( وللّه المثل الاعلى ) وقوله ( ص « لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه » يدل على أن رؤية ذاته عز وجل رؤية إدراك مما يمتنع على جميع
--> ( 1 ) قول أبي موسى ( رض ) قام فينا بخمس كلمات معناه انه قام بهم مرة أو ليلة يعلمهم فيها هذه الكلمات الخمس ويشرح لهم معانيها . والقسط كما في نهاية ابن الأثير ميزان أعمال العباد المرتفعة اليه أو أرزاقهم النازلة من عنده اي يرفع درجات اعمال بعض العاملين وهم الصالحون المصلحون ويخفض درجات آخرين وهم اضدادهم - أو يزيد وينقص في الارزاق كالوزان الذي يزن لكل مشتر بقدر ماله فالكلام تمثيل . وسبحات وجهه نوره وبهاؤه وجلاله ، قاله النووي